أسد زمانك يا فوزي
هناك مسؤولون يكتفون بالجلوس في المنصة الشرفية لمتابعة المباريات وهناك مسؤولون يتحولون إلى جزء من روح الفريق يقتسمون مع اللاعبين ضغط اللحظات الصعبة ويعيشون تفاصيل الانتصارات كما يعيشون مرارة الإخفاقات وبين النموذجين يبرز فوزي لقجع كرجل اختار منذ سنوات أن يكون قريباً من المنتخب الوطني لا باعتباره رئيساً للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فقط بل باعتباره أحد الداعمين الرئيسيين لمشروع رياضي أصبح اليوم محل إشادة داخل المغرب وخارجه.
آخر ظهور إعلامي للقجع في بودكاست أثير التابع للجزيرة لم يكن مجرد حوار تلفزيوني يراجع حصيلة السنوات الماضية بل كان شهادة على قناعة راسخة بأن المنتخب المغربي لم يعد ذلك الفريق الذي يخوض المباريات الكبرى من أجل اكتساب الخبرة أو البحث عن مشاركة مشرفة وإنما أصبح منتخباً يدخل كل مواجهة بعقلية الانتصار وبإيمان كامل بقدرته على مقارعة أكبر القوى الكروية في العالم حديثه اتسم بالهدوء والثقة بعيداً عن لغة الاستعراض أو الوعود الفضفاضة وهو ما منح كلماته مصداقية كبيرة لأن الرجل كان يتحدث انطلاقاً من مشروع يعرف تفاصيله ويؤمن بنتائجه ويعيش يومياً نبضه من الداخل.
ولم تمر سوى أيام حتى جاءت المواجهة القوية أمام هولندا لتؤكد أن تلك الثقة لم تكن مجرد خطاب إعلامي بل كانت انعكاساً لحقيقة يعيشها المنتخب الوطني داخل غرف الملابس وفي التداريب وفي العلاقة التي تجمع جميع مكوناته فقد قدم أسود الأطلس مباراة بطولية أمام أحد أقوى المنتخبات الأوروبية أظهروا خلالها شخصية البطل والقدرة على العودة في أصعب اللحظات والإيمان بأن التأهل لا يحسم إلا مع صافرة النهاية.
ومن بين أكثر المشاهد التي بقيت راسخة في أذهان الجماهير المغربية تلك اللحظة الإنسانية التي أعقبت إضاعة أشرف حكيمي لركلة الجزاء خلال المباراة ففي الوقت الذي كان فيه الضغط النفسي كبيراً ظهر فوزي لقجع وهو يتوجه لدعم قائد المنتخب وتحفيزه في رسالة واضحة مفادها أن اللاعب لا يقاس بلحظة واحدة وأن الثقة فيه لا تهتز بسبب خطأ أو ركلة ضائعة كان ذلك المشهد أكبر من مجرد لقطة عابرة لأنه عكس طبيعة العلاقة التي تربط رئيس الجامعة بلاعبي المنتخب علاقة تقوم على الثقة والاحتضان والدعم في الأوقات الصعبة قبل الاحتفال في لحظات الفرح.
وعندما حسم المنتخب المغربي بطاقة التأهل على حساب هولندا جاءت الصور التي أعقبت المباراة لتختزل سنوات من العمل داخل هذا المشروع، اللاعبون احتفلوا بعفوية وتقاسموا فرحة الإنجاز مع جميع أفراد البعثة المغربية، وكان فوزي لقجع حاضراً وسط تلك الأجواء ليس كرئيس يجلس بعيداً عن المجموعة بل كشخص يعتبره اللاعبون جزءاً من رحلتهم، تلك الصور لم تكن بروتوكولية ولم تكن مصنوعة للكاميرات بل عكست حجم الثقة والاحترام المتبادل بين المسؤول الأول عن كرة القدم المغربية وبين مجموعة من اللاعبين الذين وجدوا داخل المنتخب بيئة تمنحهم الطمأنينة قبل أن تطلب منهم النتائج.
هذا القرب لم يولد في ليلة الانتصار على هولندا بل هو امتداد لسنوات من التواصل الدائم مع اللاعبين والحرص على توفير أفضل الظروف لهم داخل المعسكرات وخارجها والإيمان بأن النجاح الرياضي لا يصنعه المدرب وحده ولا اللاعب وحده، بل تصنعه منظومة متكاملة يشعر فيها الجميع بأنهم يعملون من أجل هدف واحد ولهذا السبب لم يعد مستغرباً أن يظهر اللاعبون بهذا القدر من الانسجام أو أن يحتفلوا مع رئيس جامعتهم كما يحتفلون مع زملائهم لأنهم يدركون حجم الجهد الذي بُذل حتى يصل المنتخب المغربي إلى المكانة التي يحتلها اليوم.
لقد نجح فوزي لقجع في بناء علاقة مختلفة مع لاعبي المنتخب الوطني علاقة تجاوزت حدود الإدارة والتسيير إلى مستوى الثقة الإنسانية فهو حاضر في لحظات التتويج وهو حاضر أيضاً في لحظات الانكسار يشجع ويحفز ويمنح اللاعبين الإحساس بأن المؤسسة التي يمثلها تقف خلفهم مهما كانت الظروف وهذه الثقافة هي التي صنعت منتخباً يلعب بروح الأسرة الواحدة ويقاتل داخل الملعب من أجل الشعار الوطني قبل أي اعتبار آخر.
ولعل أجمل ما في المشهد المغربي اليوم أن الإنجازات لم تعد تختزل في نتائج المباريات فقط، بل أصبحت تظهر أيضاً في قوة العلاقة بين جميع مكونات المنتخب من الجامعة إلى الطاقم التقني واللاعبين، وعندما تتحول هذه العلاقة إلى مصدر قوة داخل الملعب يصبح الفوز على منتخبات بحجم هولندا نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل لا مجرد مفاجأة عابرة.
لقد قال فوزي لقجع في أثير، إنه يثق في هذا المنتخب وإن المشروع المغربي ما زال قادراً على الذهاب بعيداً، وبعد مباراة هولندا بدا واضحاً أن تلك الثقة لم تكن مجرد كلمات أمام الكاميرا بل كانت تعبيراً صادقاً عن واقع تعيشه المجموعة المغربية التي أصبحت تؤمن بنفسها وتؤمن بمشروعها وتؤمن بأن المستحيل لم يعد له مكان في قاموس كرة القدم المغربية.