بنسعيد : التمكين الرقمي للشباب ليس “ترفاً فكرياً” بل معركة لحماية وعي الأجيال
في خطوة تعكس المقاربة الاستباقية والريادية التي يتبناها المغرب في إدارة ملفات الجيل الجديد، وضع محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل اليوم الثلاثاء 23 يونيو بالرباط، النقاط على الحروف بشأن التحديات الرقمية المعاصرة. الوزير بنسعيد جزم بأن تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الأجيال الصاعدة قد تجاوز تماماً مساحات “الترف الفكري” والمساجلات الأكاديمية الباردة، ليتحول إلى واقع يومي يتدخل بشكل مباشر وسافر في تشكيل وعي الشباب العربي، وتوجيه سلوكهم، ورسم ملامح مستقبلهم المشترك.
ومن هذا المنطلق، وبنبرة تشخيصية حاسمة، افتتح بنسعيد فعاليات اللقاء العربي الأول حول “أثر وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب” بالعاصمة الرباط. هذا الحدث الإقليمي، الذي هندسته وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية بشراكة مع مجلس وزراء الشباب والرياضة العرب والمرصد المغربي حول التطرف والعنف، يعكس بالدرجة الأولى إيمان الوزير بنسعيد الراسخ بضرورة تفعيل العمل العربي المشترك، وتطوير آليات التعاون متعدد الأطراف تحت مظلة جامعة الدول العربية، لمواجهة طوفان رقمي لا يعترف بالحدود الجغرافية.
وقدّم المسؤول الحكومي المغربي رؤية تفكيكية عميقة للمنصات الرقمية، واصفاً إياها بـ “السلاح ذي الحدين”؛ ففي الوقت الذي تفتح فيه هذه الشبكات فضاءات رحبة وخيارات غير محدودة للإبداع والابتكار والريادة الرقمية، فإنها تفخخ في الآن ذاته البيئة المجتمعية بمخاطر حقيقية تضرب الهوية الثقافية في مقتل، وتُغرق الفضاء العام بالأخبار الزائفة وخطابات التضليل، مخلّفةً وراءها عزلة اجتماعية حادة تشل حركة الطاقات الشابة.

غير أن المعادلة التي يطرحها بنسعيد لا تؤمن بمنطق الانغلاق أو الاختباء وراء جدران المنع؛ إذ شدد على أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تتأتى بالوسائل التقليدية القائمة على الحجب، بل عبر “التمكين الرقمي الإيجابي” وإرساء دعائم تربية رقمية حقيقية. ودعا في هذا السياق إلى نقلة نوعية وجذرية، ينتقل من خلالها الشباب العربي من مقعد “المستهلك السلبي” للمحتوى الافتراضي، إلى منصة “المنتج والمبدع” له، القادر على فرض هويته وإيصال صوته للعالم.
ولم تقف استراتيجية بنسعيد عند عتبات التشخيص والتحفيز، بل امتدت لتشمل آليات التنفيذ؛ حيث حث على ضرورة تعزيز المحتوى الرقمي العربي ليعكس القيم والأصالة بأساليب عصرية رشيقة، توازياً مع إطلاق مبادرات للتربية الإعلامية تروم ترسيخ الاستخدام الآمن والمتوازن للتكنولوجيا، بما يضمن تحصين الصحة النفسية والفكرية للأجيال القادمة.
وأكد بنسعيد أن المملكة المغربية، التي تضع الشباب في قلب ديناميتها التنموية، ترى في لقاء الرباط فرصة تاريخية لبلورة “رؤية عربية مشتركة” أو صياغة “ميثاق توجيهي” ملزم، يعيد توظيف التكنولوجيا كرافعة للبناء والتنمية المستدامة، بدلاً من تركها معولاً للهدم والتفكك الأسري والمجتمعي.
هذه المقاربة المغربية المتبصرة التي قادها بنسعيد، وجدت صدى فورياً وتناغماً كبيراً لدى الوفود العربية المشاركة؛ إذ تقاطعت معها الرؤية المصرية التي عبر عنها نبيل جوهر، وزير الشباب والرياضة برئاسة مجلس وزراء الشباب العرب، والذي أشاد بالحراك المغربي مستعرضاً جهود بلاده بدعم من الرئيس عبد الفتاح السيسي وبمشاركة مرصد الأزهر لمكافحة التطرف.
كما حظيت برواد رصين من جامعة الدول العربية عبر ممثلها فيصل علي غسال، الذي أكد بدوره أن مركزية الطرح الذي يقوده بنسعيد تكمن في التركيز على “بناء الإنسان” الواعي، القادر على التمييز النقدي بين الحقيقة والتضليل، ليكون الاستثمار المعرفي والرقمي في الشباب هو الرهان الأكثر جدوى واستدامة لصناعة قادة القرن الحادي والعشرين.