بوح الأحد: برعاية ملكية مغاربة العالم في الموعد، الطوابرية يفضحون بعضهم البعض
بوح الأحد: برعاية ملكية مغاربة العالم في الموعد، الطوابرية يفضحون بعضهم البعض و مصيرهم اليوم واضح بالعين المجردة، مفاجئات الأمن المغربي لا تتوقف المغرب الصاعد الواعد الصاعق، التفوق السياسي و الدبلوماسي و الميداني المغرب يضع الإنفصاليين أمام حقيقتهم في ظل ٱنتهاء دبلوماسية الغاز و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
اعتدنا في الأسبوع الثاني من شهر يونيو من كل عام على إعطاء الانطلاقة لعملية استقبال مغاربة العالم، وهي عملية تطول في الزمن لتتجاوز الثلاثة أشهر، وتتسع لتشمل شبكة واسعة من فضاءات الاستقبال بلغت هذه السنة 26 فضاءاً داخل المغرب وخارجه، والهدف من ذلك ضمان حضور ميداني عن قرب في أهم نقاط العبور التي يستخدمها المغاربة القادمون إلى المغرب.
تمثل هذه العملية إحدى أضخم عمليات الاستقبال سنويا، ولذلك يتجند لإنجاحها متدخلون مؤسساتيون كثر، وتشرف عليها مؤسسة محمد الخامس للتضامن، وقد وصل عدد مغاربة العالم الذين تم استقبالهم في عملية مرحبا 2025 السنة الفارطة أكثر من 4 ملايين و60 ألف مغربي، وهو رقم يعلو على السنة التي سبقتها (أي 2024) بما قدره 11%.
تحظى هذه العملية بالرعاية السامية لجلالة الملك، ونجاحها كل سنة يعكس مهارة التنظيم وحسن التواصل وقوة الدراية بحاجيات هذه الشريحة المستهدفة وتراكم الخبرة والتجربة طيلة أزيد من ربع قرن من هذه العملية التي تحمل كل سنة عنوان “مرحبا”، وهو اختيار لعبارة تعني الكثير عند المغاربة بمختلف شرائحهم، ولها وقع كبير على مغاربة العالم وجدانيا قبل أي اعتبارات أخرى.
تؤكد كذلك هذه العملية الضخمة قوة البنيات التحتية للمغرب، وأهمية الاستثمارات التي تمت طيلة أزيد من عقدين في بعض الأوراش المهيكلة.
يعكس هذا الاهتمام الأولوية التي يحتلها مغاربة العالم في اهتمامات جلالة الملك راعي هذه العملية، وتؤشر تلك الأرقام -التي تتزايد سنة بعد أخرى- على عمق الروابط التي تجمع مغاربة العالم بمغربهم، كما تؤكد أن هذه الروابط تتوارث عبر الأجيال ولا تؤثر فيها عوامل اندماجهم في دول الميلاد والنشأة.
تمس هذه العملية مختلف العائلات والمناطق المغربية لأن هجرة المغاربة لم تقتصر على منطقة دون أخرى ولا تكاد توجد -إلا نادرا- عائلة بدون أن يكون أحد أفرادها مقيما في الخارج.
يقدر عدد الجالية المغربية في العالم بحوالي 5 ملايين (وهو ما يمثل أكثر من 12٪ من سكان المغرب) موزعين على كل بقاع وقارات العالم، منهم 85٪ يقيمون في أوروبا، و70٪ تقل أعمارهم عن 45 سنة و20٪ ازدادوا ببلدان الإقامة، ويشغلون مواقع شتى، بل منهم من يتحمل مسؤوليات مهمة في بلدان إقامتهم. يشكل هذا الرقم ثروة بشرية ظلت دوما في خدمة المغرب ومصالحه، ودائمة الارتباط بجذورها العائلية والوطنية في بلدها الأصلي، وهذا ما ذكر به جلالة الملك في خطاب الذكرى ال69 لثورة الملك والشعب سنة 2022 “يبقى حجر الزاوية في الدفاع عن مغربية الصحراء هو وحدة الجبهة الداخلية والتعبئة الشاملة لكل المغاربة، أينما كانوا، للتصدي لمناورات الأعداء. ولا يفوتني هنا، أن أوجه تحية إشادة وتقدير، لأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، الذين يبذلون كل الجهود للدفاع عن الوحدة الترابية، من مختلف المنابر والمواقع، التي يتواجدون بها. والمغرب والحمد لله، يملك جالية تقدر بحوالي خمسة ملايين، إضافة إلى مئات الآلاف من اليهود المغاربة بالخارج، في كل أنحاء العالم. ويشكل مغاربة العالم حالة خاصة في هذا المجال، نظرا لارتباطهم القوي بالوطن، وتعلقهم بمقدساته، وحرصهم على خدمة مصالحه العليا، رغم المشاكل والصعوبات التي تواجههم. ذلك أن قوة الروابط الإنسانية، والاعتزاز بالانتماء للمغرب، لا يقتصر فقط على الجيل الأول من المهاجرين؛ وإنما يتوارثه جيل عن جيل، ليصل إلى الجيلين الثالث والرابع”.
يحاول البعض اختزال الحاجة إلى مغاربة العالم في تحويلاتهم المالية. هذا اختزال يشوه عمق العلاقة والروابط والخدمات التي يقدمها هؤلاء للمغرب ويقدمها المغرب لهم في دول إقامتهم، إذ مجرد الإدلاء بالأصول المغربية يعطي لصاحبها قيمة وتقديرا يكتسبه من المكانة التي للمغرب في المنتظم الدولي كله.
تشكل مع ذلك تحويلات مغاربة العالم نسبة مهمة من احتياطي العملة الصعبة ببلادنا، فحسب مكتب الصرف بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 39,98 مليار درهم عند متم أبريل 2026، مقابل 36,42 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. ومبالغ هذه التحويلات تساهم في تنمية التكافل الاجتماعي والعائلي، ولها دور أساسي في تلبية حاجيات مهمة في مناطق عدة من المغرب، وهي مما يعمق أكثر الروابط العائلية لمغاربة العالم بأصولهم.
يمكن اكتشاف حجم ارتباط هذه الجالية بأجيالها الجديدة بالمغرب من خلال تفضيل الكثير منهم اللعب تحت الراية المغربية في كرة القدم وغيرها من الرياضات رغم أن منهم من كانت له حظوظ وافرة للعب لدول أخرى، وسبب التفضيل للمغرب هو التنشئة الأسرية التي تربطهم بجذورهم وتشعرهم بفخر الانتماء للمغرب، ويمكن قياس هذا المثال على غيره من المجالات، ولذلك يمثل مغاربة العالم خزانا بشريا ورأسمال لا ينضب يجب تثمينه والحفاظ عليه بحسن الاستقبال والتعامل والتواصل دائما. وهذا ما جعل الملك في أكثر من مناسبة يؤكد على ذلك ويطلب من المؤسسات المعنية تجويد الخدمات المقدمة إليهم. ومما نص عليه خطاب سنة 2022 أسئلة يستنتج منها حجم الإلحاح الملكي على إعطاء هذه الجالية ما تستحقه “ماذا وفرنا لهم لتوطيد هذا الارتباط بالوطن؟ وهل الإطار التشريعي والسياسات العمومية تأخذ بعين الاعتبار خصوصياتهم؟ وهل المساطر الإدارية تتناسب مع ظروفهم؟ وهل وفرنا لهم التأطير الديني والتربوي اللازم؟ وهل خصصنا لهم المواكبة اللازمة، والظروف المناسبة، لنجاح مشاريعهم الاستثمارية؟” ثم أردف جلالته بأن “الدولة تقوم بمجهودات كبيرة لضمان حسن استقبال مغاربة العالم، ولكن ذلك لا يكفي، لأن العديد منهم، مع الأسف، ما زالوا يواجهون العديد من العراقيل والصعوبات، لقضاء أغراضهم الإدارية، أو إطلاق مشاريعهم. وهو ما يتعين معالجته”.
بتصفح الخطابات الملكية نجدها تركز على قضايا كثيرة في هذا الموضوع المتعلق بالجالية المغربية في العالم، ومن ذلك إشراكهم في مسار التنمية بسبب حاجة المغرب لكل أبنائه، ولكل الكفاءات والخبرات المقيمة بالخارج، سواء بالعمل والاستقرار بالمغرب، أو عبر مختلف أنواع الشراكة، والمساهمة انطلاقا من بلدان الإقامة، ومن ذلك كذلك التشديد على ضرورة إقامة علاقة هيكلية دائمة مع الكفاءات المغربية بالخارج بإحداث آلية خاصة مهمتها مواكبة الكفاءات والمواهب المغربية بالخارج، ودعم مبادراتها ومشاريعها، لأن هذا سيمكن من التعرف عليها، والتواصل معها باستمرار، وتعريفها بمؤهلات وطنها، بما في ذلك دينامية التنمية والاستثمار. ولم يفت الملك أن يعتبر أفراد هذه الجالية سفراء للمملكة المغربية الشريفة في العالم، محاطين بالعناية السديدة لجلالته، وخصص لهم بمناسبة خطاب الذكرى الـ 49 للمسيرة الخضراء سنة 2024، مؤسسة تحمل اسم جلالته وهي “المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج”، لتكون “الذراع التنفيذية” للسياسة العمومية تجاه المغاربة المقيمين بالخارج، حيث ستكمن مهمتها في تجميع الصلاحيات المتفرقة بين فاعلين كثر، وتحضير وتأمين تنسيق وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للمغاربة المقيمين بالخارج.
هذه مناسبة أخرى للتساؤل عن مصير هذه المؤسسة ولمساءلة صناع ومدبري ومنفذي السياسات العمومية عن مصير هذه التعليمات والتوجهات الاستراتيجية التي رسمها جلالة الملك، وماذا تحقق منها، ومدى تتبع تنزيلها، ومنسوب الإنصات لهذه الجالية التي تؤكد في كل مناسبة وطنيتها و”مغربيتها” وحرصها على تلقين تلك القيم لأبنائها وأحفادها.
نحتاج إلى توسيع دائرة النقاش حول تنزيل هذه القضايا لأن تلبية احتياجات هذه الجالية مسألة يجب أن تحتل أولوية، واستحضار حاجياتها يجب أن يكون حاضرا في برامج الأحزاب والحكومة، وتقييم السياسات العمومية المتبعة في هذا المجال يجب أن تحظى باهتمام كبير من طرف البرلمان. ولا يمكن التعلل بأن هذا موضوع لا يعني كل المغاربة لأنه في الحقيقة يعنيهم بشكل مباشر ولأن رضى هذه الجالية يلقي بظلاله على الاقتصاد والاستثمار والسياحة والتكافل وغير ذلك من المجالات.
يحاول عبثا بعض “المناطيح” التشويش على هذه الجالية، بل منهم من يدعي تمثيليتها، ومنهم من أحدث بدعة “معارضة الخارج”، ومنهم من يراكم الفشل في الخارج لأنه “بارد الكتاف” ولا مؤهلات لديه ولا قدرة له على مجاراة سير الحياة في الخارج ولذلك اتخذ من الابتزاز والنصب حرفة يتجه بها للمغاربة أساسا باحثا عن صيد يؤمن به معيشته من بعض ضعاف النفوس وذوي القابلية للابتزاز. عدد الزوار سنويا للمغرب وعدد المتفاعلين مع القضايا المصيرية للمغرب يؤكد أن هؤلاء حالات معزولة تقارب العدم، ومرور الوقت يكشف حقيقة هذه “الشرذمة” التي صارت تفضح بعضها البعض.
آخر مثال عندنا هو تسريبات التائه النصاب التي أكدت لكل من لا يزال مخطئا في حقيقته أنه مجرد رجع صدى لمن يتحكم في خرجاته ويزوده ب”حجايات” عن المؤسسات السيادية لابتزاز بعض المغفلين. النصاب الغارق في المحاكمات والمليء سجله بالسوابق في التشهير والابتزاز ألف نشر فيديوهات ثم مسحها في لمح البصر دون أن يكلف نفسه عناء شرح أسباب ذلك والاعتذار للمتضررين منها لأنه ببساطة لا يحترم أحدا ولا أخلاق عنده ولا يهمه إلا إرضاء سيده الذي يتخبط في أزماته ولم تنفعه أكاذيبه وادعاءاته القرب من ذوي القرار لأنها لم تقنع المغاربة وغيرهم إلا بعض المنابر الدعائية المعادية التي اعتادت أن تحرك منشوراتها قبيل احتفالات عيد العرش ظنا منها أن نشر تلك “الحجايات” سيكون له تأثير على الرأي العام ويمكنها أن تجزل لهم العطاء الذي اعتادوه من جهات أخرى غالبا.
لقد كان جلالة الملك حاسما وأعطى القدوة من نفسه حين رفض ابتزاز بعض المنتسبين إلى الصحافة زورا، ووضعهم عند حدهم، وفضح أسلوبهم، فكانت تلك ضربة قاضية أنهت مسارهم، وكانت عبرة لمن بعدهم.
مع مرور الأيام ينكشف النصابون بالأدلة، وما يطمئن المغاربة أن هذه الأدلة يتبادلها الطوابرية كاتهامات بينهم على الملأ لأن الابتزاز بلية لا تترك لأحد صديقا أو حليفا، بل كل طوابري لا يرى في غيره إلا سلما يمكنه الركوب عليه لبلوغ حلمه. المصيبة أن أحلام هؤلاء فاقت خيالاتهم ولذلك يتساقطون بسرعة بسقطات مميتة.
المؤسسات السيادية لا تخضع للابتزاز ولا تقبل المساومة ولا يمكن أن تكون على علاقة مع هذه الأصناف. والصرامة داخلها تجعلها تقطع مع كل منتسب إليها حاد عن خط خدمة المغرب والوفاء لمصالحه أو حاول استغلال انتمائه لها لقضاء مصالح خاصة. هي مؤسسات تشتغل ليل نهار على ما ينفع الناس وتترك مروجي الإشاعات للوقت لأنها تدري أن حبل الكذب قصير وسيفضح الطوابرية بعضهم البعض. من يتأمل اليوم في مصير هؤلاء يرى ذلك رأي العين.
في الوقت الذي يزور فيه المبعوث الشخصي للأمين العام ستيفان دي ميستورا المخيمات بحثا عن اختراق لتنفيذ مقتضيات القرار الأممي رقم 2797، وفي الوقت الذي يسارع فيه المنتظم الدولي الزمن لوضع حد لنزاع مفتعل اتضحت ملامح حله بهذا القرار الأممي، وفي الوقت الذي تفكك فيه الأمم المتحدة بتدرج المينورسو مبدية أنها بعددها الحالي واختصاصاتها لم تعد تساير تطورات الملف ولم تعد تنسجم مع طبيعة اسمها والمهمة التي أنشئت من أجلها، يأبى الانفصاليون إلا تشتيت الاهتمام وتحويل الأنظار عن هذه الأجندة بافتعال قضايا وهمية والتلويح بالعودة إلى الحرب والتحلل من اتفاق وقف إطلاق النار. بمثل تلك التصريحات والتصرفات يكتشف العالم الحقيقة التي ظلت غائبة عن بعضهم، ويخلصون إلى أن الطرف الآخر لا إرادة له لتنفيذ القرارات الأممية ولا رغبة عنده لحل هذا النزاع وأقصى ما يبحث عنه من هذه الزيارات تسول مساعدات تحت بند إنساني واجتماعي مع العلم أن الكل صار يعلم أنها لا تصل إلى مستحقيها، بل تستعمل في مراكمة ثروات قيادات الانفصاليين وراعيتهم.
أكد المغرب خلال هذا الأسبوع أن أمنه واستقراره خط أحمر، وأن مناورات واستفزازات الانفصاليين لا جواب عنها إلا ردا مناسبا في وقت يختاره هو ولا يفرضه عليه آخرون، وقد تجلى ذلك في الرد الحاسم على تلك الاستفزازات، وبذلك يضيف المغرب إلى التفوق السياسي والدبلوماسي تفوقا ميدانيا وضع الانفصاليين أمام حقيقتهم وفي موضع حرج تجاه أتباعهم وأسيادهم.
يمكن اعتبار الرد القاتل على ذلك الاستفزاز محصلة لرد مغربي على استفزازات تكررت منذ شهور، وقوة الرد المغربي في توقيته المتزامن مع زيارة دي ميستورا التي حاول الانفصاليون استغلالها لابتزاز المغرب ظنا منهم أنه سيغض الطرف عنها، وقوة الرد كذلك تكمن في نوعيته التي أكدت أن التسلح المغربي فعال وليس مثل الخردة التي ينفق عليها أعداء المغرب الملايير بلا جدوى.
يضاف هذا الرد إلى أحداث الكركرات ليصبحا درسا لكل من لا يزال يصدق أن ميزان القوى العسكري فيه نصيب من قوة لجبهة الانفصال وراعيتها التي لا تزودها إلا ب”خردة” أسلحة لا تصمد أمام قوة وكفاءة قواتنا المسلحة الملكية التي استحقت بهذا الرد التقدير من طرف المغاربة الذين اطمأنوا مرة أخرى على أنهم تحت حماية أمينة.
حالة البؤس التي عليها دبلوماسية جارة السوء في ملف الصحراء المغربية هي ما جعلها تستنجد بخدمات الأمين العام الأسبق بان كيمون تحت غطاء “النمو الأخضر” والتنمية المستدامة. أذكر بهذا الاستنجاد ليفهم المغاربة حجم التآمر الذي كان يتعرض له المغرب في ملف وحدته الترابية من طرف بعض المسؤولين الأمميين منذ سنوات وليفهموا كذلك حجم الصمود والجهد الذي كان يبذله المغرب ليحافظ على مواقفه. نتذكر أن بان كيمون تخلى سنة 2016 عن الحد الأدنى من الحياد والتحفظ الواجب في حق مسؤول أممي ووصف المغرب من مخيمات تندوف بالقوة المحتلة وقال بأنه يتفهم “غضب الشعب الصحراوي تجاه استمرار حالة احتلال أراضيه”.
كانت تلك التصريحات فرصة تلقى فيها المنتظم الدولي رسالة من المغاربة الذين عبروا في الشارع بمظاهرة كبيرة على أن هذه القضية قضية كل المغاربة وأن الوحدة الترابية خط أحمر وأن انزلاق مسؤولين أممين إلى هذا القاع غير مقبول.
لمعرفة حجم ما أنجز في هذا الملف وطبيعة الانتصارات النوعية التي حققها المغرب يلزم دائما التذكير بمثل تلك المحطات التي تؤكد أن من يدبر هذا الملف يتسلح بيقين كبير ويستقوي في تفاوضه مع المنتظم الدولي بسند شعبي وحق تاريخي وحقائق ميدانية، ولذلك لم يستسلم لتلك الابتزازات والاستفزازات.
ها نحن نعاين اليوم مصير “دبلوماسية الغاز” التي أنفقت الملايير على قضية خاسرة وكان الأولى أن تتجه نحو تنمية الشعب الذي انتفض في الشارع في أكثر من مناسبة مشتكيا من قطار التنمية الذي لم يصله منذ عقود ولم يستفد من خيرات بلاده.
هذه بعض من معاناة هذا الشعب المسكين ضحية التضليل الدائم، وآخر الأكاذيب انفضاح حقيقة “مشروع القرن” الذي تم تسويقه منذ شهور على أنه مفخرة الصناعة الجزائرية، ونقصد الخط السككي المنجمي لغار جبيلات. حجم الإنفاق بلغ على هذا المشروع 15 مليار دولار ثم تبين للشعب أنه كان مجرد فقاعة ولا أثر له في حياتهم.
هنا كذلك يظهر حجم وقيمة المجهود الصناعي الذي يقوم به المغرب والذي بوأه الصدارة قاريا رغم أن إمكانيات وموارد المغرب محدودة مقارنة مع الغير.
ما تزال المؤسسة الأمنية تفاجئنا بالإنجازات النوعية. حركية حموشي لا تتوقف، وهذا الأسبوع كان مناسبة أخرى لاجتماع يؤكد جاذبية المؤسسة الأمنية والرغبة في التعاون معها ومدى انخراطها في تفعيل الشراكات الأمنية مع الدول الصديقة والشقيقة، من خلال رؤية مستدامة تروم تعزيز التكامل الفعلي لمواجهة التهديدات الإجرامية والإرهابية المستجدة.
المناسبة هذا الأسبوع هي استقبال عبد اللطيف حموشي لسفير البرازيل بالمغرب السيد ألكسندر كيدو لوبيز بارولا، وقد شكل اللقاء فرصة لتدارس مستويات وأشكال التعاون المتميز بين البلدين في المجالات الأمنية ذات الاهتمام المشترك (أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ومكافحة الجريمة العابرة للحدود الوطنية)، ولتقييم مستويات التعاون الأمني الثنائي من خلال وضع رؤية استراتيجية مشتركة لتعزيز آليات التعاون في مجالات التكوين الشرطي، ومكافحة شبكات الهجرة غير المشروعة، ورصد ومكافحة تحركات التنظيمات الإرهابية بمنطقة الساحل والصحراء.
تجدر الإشارة إلى أن هذا اللقاء يندرج ضمن مواكبة تطبيق مضامين مذكرة التفاهم التي وقعها سنة 2024 المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني مع المدير العام للشرطة الاتحادية البرازيلية، بهدف تأطير وتطوير قنوات التعاون المشترك بين المصالح الأمنية المغربية والبرازيلية في مجال “مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما في ذلك منع ومكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية والإرهاب، والاتجار بالبشر والمهاجرين والاتجار غير المشروع بالأسلحة النارية والذخائر والمتفجرات وأجزائها، وغسل الأموال وتزوير الوثائق، والجريمة السيبرانية”.
الأعمال الاجتماعية للمؤسسة الأمنية لا تتوقف كذلك، والمحطة الموالية هي المخيمات الصيفية حيث تم إطلاق عملية التسجيل في المخيمات الصيفية لهذا العام والتي تستهدف أطفال وأيتام أسرة الأمن الوطني واتخذ لها هذا العام شعار “مخيمات الأمن الوطني فضاء لتلقين قيم التضامن والمواطنة الحقة”، وهو شعار يؤكد القيم التي تشتغل المؤسسة على غرسها في النشء، وهي قيم أصيلة في مجتمعنا المغربي ومحصنة له وقادرة على إدماجه في العالم بتحولاته ومتغيراته.
مرة أخرى يبرز الوجه الإنساني لهذه المؤسسة وقيم الوفاء التي تسود وسطها لكل الشهداء ولكل من قدم تضحيات، والرسالة دائما أن تضحياتهم لم تذهب سدى وهناك من يقدرها ويعترف بها.
التعاون الأمني الدولي في مكافحة الجريمة بمختلف أنواعها مجال يثبت فيه المغرب علو كعبه، ويؤكد فيه الأمن المغربي براعته. والإنجاز هذه المرة توقيف 30 شخصا، منهم خمسة عشر (15) شخصا يحملون الجنسيات المزدوجة المغربية والفرنسية والبلجيكية والهولندية و المالية و التونسية و الجزائرية كانوا موضوع مذكرات بحث وطنية ودولية. وقد تم هذا التوقيف خلال عمليات أمنية متزامنة بمراكش وطنجة بعد أن أظهرت عملية تنقيطهم بقواعد معطيات “أنتربول” أن 15 شخصا من بينهم يشكلون موضوع نشرات حمراء صادرة بطلب من السلطات القضائية بدول فرنسا وبلجيكا وهولندا.
تتوزع تهم المشتبه فيهم الموقوفين بين تبييض الأموال والانتماء لمنظمات إجرامية لتهريب المخدرات وترويجها دوليا والنصب والاحتيال.
الشهادة على قيمة هذه العملية أتت كالمعتاد من الخارج على شكل إشادات وتنويهات من بلجيكا وهولندا وهي كلها شهادات في حق المؤسسة الأمنية والمغرب الذي يؤكد دائما أنه شريك موثوق في محاربة كل أنواع الجريمة وأنه لا يتساهل مع كل المشتبه فيهم وأنه لا يمكن أن يكون ملاذا آمنا لهم.
الإنجاز النوعي الثاني هو تأكيد آخر لنجاعة المقاربة المغربية الاستباقية في ملاحقة التهديدات الإرهابية، وقد كان مسرح العملية الأخيرة شمال المغرب بتوقيف شاب ثلاثيني بمدينة المضيق، يشتبه في تورطه في الإعداد والتحضير لتنفيذ مخطط إرهابي يهدف إلى المساس الخطير بسلامة الأشخاص والنظام العام، في إطار ما يعرف بـ”الجهاد الفردي”.
لا يستوعب قيمة هذا الإنجاز إلا هذه الذئاب المنفردة ومن يسخرهم لهذه الأعمال القذرة لأنهم يتأكدون من أن المغرب قلعة محصنة وتحرسه أعين يقظة لها القدرة على إحباط أي مخطط في مراحل تكوينه الأولية وقبل أن يتحول إلى عمل إرهابي، والخشية أن يصبح مثل هذا الإنجاز معتادا ولا تعطاه قيمته لأن كشف خلية واحدة بشكل استباقي وإحباط مخططها في المهد ليس إلا ثمرة لعمل دائم لطواقم متعددة تصل النهار بالليل لينام المغاربة مطمئنين وينعموا بالأمن والاستقرار. وقصدي بهذا التذكير التحذير مما يروجه بعض المبخسين والمشككين الذين لا هم لهم إلا تبخيس هذه الإنجازات.
لهذا صار المغرب قبلة للمنتظم الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، و كان العالم في مدينة الجديدة هذا الأسبوع على موعد مع الدورة الخامسة للاجتماع رفيع المستوى لرؤساء وكالات مكافحة الإرهاب والأمن في إفريقيا “منصة مراكش” تحت رئاسة مشتركة للمملكة المغربية ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب. عرفت هذه الدورة مشاركة نحو أربعين من أجهزة الاستخبارات والأمن بإفريقيا، بالإضافة إلى تسعين وفدا من الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا وآسيا، بصفة مراقبين، وممثلين عن المؤسسات الإقليمية للأمم المتحدة.
توقيت هذه الدورة وعدد المشاركين فيها وصفاتهم والقضايا التي تناولتها والجهة التي تشرف عليها تؤكد أن المغرب أصبح وجهة مفضلة لعقد مثل هذه المؤتمرات. والدورة الخامسة سبقتها دورات مراكش سنة 2022 وطنجة سنة 2023 وفاس سنة 2024 وأكادير سنة 2025.
هذا هو المغرب الصاعد بمخططاته ومشاريعه وإصلاحاته التي أوجدت له مكانا في هذا العالم سريع التحول والمحكوم بمتغيرات لم تصمد معها دول عديدة.
هذا هو المغرب الصامد ضد كل الإكراهات والصعوبات التي لا تؤخره عن مساره ومسيرته.
هذا هو المغرب الواعد الذي يجعل المغاربة يشعرون بقيمة ما ينجزه لأنهم يعيشون هذه الإنجازات في حياتهم اليومية وعيونهم على المزيد دائما لأنهم على اقتناع تام أنهم يستحقون الأفضل دائما.
هذا هو المغرب الصاعق لكل من عاداه ووقف ضد مصالحه.
هو المغرب الصاعد والصامد والواعد والصاعق، وموعدنا بوح قادم.