بوح الأحد:الخطب الملكية تربك الخصوم وتبعثر حساباتهم، الطوابرية يفشلون

بوح الأحد:الخطب الملكية تربك الخصوم وتبعثر حساباتهم، الطوابرية يفشلون

A- A+
  • بوح الأحد:الخطب الملكية تربك الخصوم وتبعثر حساباتهم، الطوابرية يفشلون في الترويج لبضاعة هيومن رايتس ووتش و خبايا زيارة ماكرون للجزائر

     

  • شكل الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب أفضل هدية تلقاها المغاربة. جسد الخطاب أولا الامتداد الإيجابي للاصطفاف الوطني والشعبي للملكية، وتميزت ثانيا لغة الخطاب بالوضوح والصراحة التي اكتشف معها المغاربة حقيقة وضع البلاد ومكانتها، وتلقى المغاربة ثالثا بافتخار الشروط غير القابلة للتنازل تجاه أي شريك، سواء كان تقليديا أو جديدا، واستحسن المغاربة رابعا توقيت إثارة هذه النقط في وقت حساس جدا يستلزم من الجميع أن يكون حاسما في مواقفه ومواقعه.
    أكد جلالة الملك في هذا الخطاب أن التردد تجاه القضايا الأساسية للمغرب غير مقبول ولا يمكن التسامح بشأنه، وعبر جلالته أن قضية القضايا هي ملف الصحراء المغربية واعتبرها المقياس والمعيار الذي ينظر به المغرب إلى العالم ويقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات. وهنا يتجسد الامتداد الوطني للملكية والعمق الشعبي لانتمائها المغربي، حيث لا مساومة على قضايا الوطن.
    ذكر جلالة الملك بالانتصارات المتتالية التي أحرزها المغرب والتي تؤكد أننا نعيش زمن الانتصارات. ولأن لغة الأرقام لا تكذب، فقد عزز الخطاب الملكي كل تلك الانتصارات بأرقام معبرة وبوقائع صحيحة غير قابلة للتشكيك، ومنها الموقف الثابت للولايات المتحدة الأمريكية مع التأكيد أنه لا يتغير بتغير الإدارات ولا يتأثر بالظرفيات، وفي هذا رسالة لمن ما يزال يمني النفس بتغير الموقف الأمريكي من مغربية الصحراء، ومنها الموقف الواضح والمسؤول لإسبانيا الأكثر خبرة بأصل هذا النزاع وحقيقته، وهو الموقف الذي أسس لمرحلة جديدة من الشراكة المغربية الإسبانية، وقد أكد الملك أن هذه الشراكة لا تتأثر بالظروف الإقليمية ولا بالتطورات السياسية الداخلية، وهو ما يعزز قيمة هذا الانتصار، ومنها ثالثا الاكتساح الذي أحرزته الدبلوماسية المغربية التي يرعاها جلالة الملك في القارة الإفريقية والمحيط العربي. إنه مغرب الانتصارات يحصي حصيلة مجهودات ملكية حصدت نجاحات أصابت الانفصاليين وصانعيهم بالخيبة والحقد.
    اللغة الصارمة للخطاب، والشروط الحاسمة لبناء الشراكات، وعدم الرضى بأنصاف المواقف، والانفتاح الناجح على شراكات جديدة ومتنوعة، وصدور ذلك عن جلالة الملك بما يمثله من رمزية وسمو في التمثيلية، وصدوره في مناسبة لها رمزيتها، وتلقي مضامين هذا الخطاب شعبيا بالاحتضان والقبول الحسن، كلها كانت مؤشرات على أن المؤامرات والتشويش ومحاولات فرملة هذه النجاحات ستنتقل إلى سرعة قصوى ولن تتردد في استعمال كل الأسلحة بما فيها الكذب والافتراء واصطناع القضايا للإلهاء وتعطيل هذه المسيرة الناجحة.
    جسد محمد السادس صورة الملك الذي يقف في مواجهة كل الأطماع الاستعمارية والاستغلالية، وأعطى القدوة من نفسه بالانتصار لقضايا الوطن ومصالح البلاد على غيرهما من القضايا، وقد أحس الخصوم بصعوبة المراحل القادمة فما كان لهم إلا جعل الملك في أولوية الاستهداف يقينا منهم أن سياساته واقتراحاته وصرامته ومجهوداته هي سبب الإخفاقات التي يتجرعونها في مواجهة المغرب. ولأنهم يستوعبون طبيعة الروابط بين الشعب وملكه والتي لا تقتصر على روابط قانونية ومؤسساتية بل تتعداها إلى روابط تاريخية ودينية وعاطفية وإنسانية تغدي كلها الثقة في الملك فقد كان لزاما البحث عما يزعزعون به هذه العلاقة والوشائج الوثيقة.
    الحمد لله أن وسائل التواصل الاجتماعي قادرة وحدها، بالحرية التي توفرها، على كشف الأراجيف حيث لا تعمر التلفيقات إلا دقائق ولا يدوم الكذب فيها إلا لحظات ثم تنتشر الحقيقة لتفضح الملفقين والكذابين والأفاقين. اكتشف المغاربة حجم الحقد الذي يكنه بعض الجيران على نجاحات المغرب، وحجم الجهود التي يبذلونها لتشويه سمعة المغرب وملكه ومؤسساته، وحجم التردي الأخلاقي الذي يمكن أن يصل إليه عملهم؛ واكتشف المغاربة، وهذا هو الأهم، العروة الوثقى للخيمة المغربية الجامعة التي تؤرق خصوم المغرب ولم يجدوا لهدمها سبيلا لأن كل خططهم تعود عليهم بنتائج سلبية تعزز هذه العروة التي ميزت ملوك المغرب في علاقتهم بالشعب المغربي منذ قرون.
    الفبركة وبتر الوقائع عن سياقها وتقوية الأكاذيب بالعناوين والشائعات لن يغير من واقع الأمر شيئا، وهذا الاستهداف لشخص الملك لن يزيده إلا ثباتا في التمسك بمصالح شعب استأمنه على أمانة تدبير شؤونه والوفاء لأجداده خدام هذا الوطن، وهذه الحملات لن تزيد المغاربة إلا تشبثا بملكيتهم وملكهم لأنهم واعون بأسباب هذا الاستهداف وخلفياته وتوقيته وأهداف من يقف وراءه.
    انحياز الملك لأجندة الوطن ومصالح الشعب وعدم تهاونه في مواجهة من يستهدفهما وحرصه على مصارحة الشعب في مناسبة لها رمزيتها خطوات تزيد المغاربة تعلقا بالملك وثقة بسياساته وتعبئة وراءه، وهذه هي أكبر غصة في حلق أعداء المغرب لأن خطتهم لفصل الشعب عن ملكه والاستفراد بالوطن لإضعافه واستحلال ثرواته فشلت.
    بقدرة قادر، انتقل مروجو المرض الخطير للملك وقرب موته وصراعات العائلة الملكية حول انتقال العرش إلى النقيض فبدؤوا يروجون لصور تؤكد أن الملك يتجول كباقي الناس و وسط الناس. هذا الانتقال يؤكد فشل الرهان على أكذوبة مرض الملك للنيل من الملكية والتشويش على المغرب، والترويجُ لصور يبدو فيها الملك بصحة عادية كان اضطراريا لانعدام وجود خطط بديلة. وللتقليص من الآثار الجانبية السلبية لهذه الخطة البديلة كان يلزم نوع من الفبركة وتحريف السياق والتعزيز بالتعليقات والعناوين الموجهة لتوحي بأن الملك في وضعية غير سليمة. والحقيقة أن الصورة التي احتفى بها “الذباب الإلكتروني” المسخر ضد المغرب وملك المغرب عادية تثبت فعلا أن الملك في وضع صحي جيد وتظهره رفقة حراسه المعروفين، وفي يده قنينة ماء كما هو شأن كل المتجولين في شوارع أوربا في ظل موجة الحر التي اجتاحتها طيلة فصل الصيف، وما قام به من حركات كان عاديا للتجاوب مع مخاطبيه الذين تعرفوا عليه.

    في دقائق معدودة، انقلب السحر على الساحر، وأصبحت أدوات الحملة الخبيثة ضد الملك هي أكبر أدوات الدعاية لصالحه والفضح لخصومه، وصارت تلك الأدوات المسمومة أكبر وسائل الإيضاح لطبيعة الحملة وحجمها ضد الملك؛ بل إن تزامن توقيتها مع خطاب العرش وخطاب ثورة الملك والشعب لم يترك مجالا للشك حول أسبابها، وهو ما يزيد المغاربة تأكدا من حجم الضرر الذي يلحق خصومهم وحجم الانتصارات التي أحرزوها في المرحلة السابقة، وحتما فإن استهداف الملك ليس لشخصه فقط ولكن لأنه يمثل المغاربة أحسن تمثيل ويعبر عن مطالبهم أحسن تعبير ولا يضع في حسبانه أي حسابات أخرى غير سيادة المغرب وكرامة المغاربة.
    شخصيا، لا أستبعد الاستهداف الشخصي كذلك لأن عراقة الملكية في المغرب وأناقة أسلوب الملك في الحكم والعلاقات والعيش والتصرف ومنهجيته الفعالة وقدرته على الإنجاز النوعي والكمي تشكل عقدة لدى بعض الطارئين على الحكم العاجزين عن تمثل الممارسات الحكيمة التي تكتسب بالفطرة والوراثة والتربية لعقود من الزمن ولا يمكن لمن سقط على الحكم فجأة أن يشم لها رائحة فأحرى أن يتصف بها.

    فشل الرهان على شائعة تدهور صحة الملك وعجز الملك ليس وحده الذي صار مؤرقا لكل المنتسبين للطابور الخامس الحاقد على المغرب. يوازي هذا الفشل فشل في الرهان على الملف الحقوقي، حيث عجزت أمنستي وهيومن رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود وفوربيدن ستوريز المدججين بجيش عرمرم من المتعاونين والممولين بصناديق سوداء في إقناع الرأي العام بأطروحاتهم الواهية والمصطنعة التي واجهها المغرب بحزم وبالدليل والحجة.
    آخر مؤشرات الفشل هي المستوى الهزيل والمرتبك والمتناقض الذي ظهر به صانع تقرير هيومن رايتس ووتش وهو يدافع عن التقرير. كان بنشمسي في ضيافة أصدقائه الأربعة ومئات من المتابعين مباشرة على النت حيث بدا ضيفا ثقيلا وغير مقنع رغم أنه كان في ضيافة بيئته الحاضنة التي كان همها التسويق للتقرير فاتضح في النهاية أن القضية خاسرة والمحامي فاشل.
    البيئة الحاضنة لبنشمسي تكونت من فؤاد عبد المومني الذي كان في حالة تنافي فاضحة وهو الذي بيض التقرير صفحته السوداء، حيث استدرك التقرير خطأه السابق بشأنها حين دقق بأنه تم تصويره في وضعية جنسية مع خطيبته بعد أن قال في حوار سابق بأنها زوجته والأهم أن التقرير لم يتحقق من هذا الادعاء وينشر الحقيقة التي لم ينكرها زوجها حينها الذي كانت على ذمته، وهو “مناضل” لا يجهل بنشمسي الطريق إليه لو كان همه نشر الحقائق، وتكونت كذلك تلك البيئة من بوبكر الجامعي المعروف بعداوته التاريخية لبنشمسي والتي لا يخفيها ولكنه بدا مغازلا لبنشمسي لأنه يبحث من خلاله عن رضى الماما أمريكا التي يعيش من ريعها في مدرسة يملكها دبلوماسيون أمريكيون سابقون وأمريكية التمويل ويطمع في الاستقواء مستقبلا بمنظمات أمريكية كما هو دأبه دائما ولذلك فقد بدا في حالة تماهي مع بنشمسي، والثالث هو العدلاوي عمر احرشان الذي لم يخرج من جبة جماعته والانتصار لأصدقائه الذين اكتشف تجاهل التقرير لهم ولكنه لم يجرؤ على مصارحة بنشمسي بحقيقة الانتقائية والتجاهل والاستهداف للمغرب لأنه كسابقيه لا يهمه الوطن وسمعته بقدر ما تهمه الجماعة التي يرى الانتماء إليها أولى من الانتماء للوطن، والرابع هو خالد البكاري الذي بدا نشازا ولم يحسن تقمص دور المدافع عن معارضي التقرير لأن الوطنية لا تُتصنع وليست تمثيلا.
    الوضع الطبيعي في جلسة مع هؤلاء أن يكون بنشمسي في وضع مريح ومقنع ولكنه فضح نفسه وكشف هزالة مستواه ووضع هيومن رايتس في تناقض بسبب اعترافه بانتقائية التقرير وتركيزه على البعض دون الآخر وقضايا دون أخرى، وتمييزه للمشمولين بالتقرير اعتمادا على شهرتهم وهو ما يؤكد أن الطوابرية في نظر هذه المنظمات نجوم ومواطنين من درجة استثنائية. بدا بنشمسي مرتبكا وهو يجيب عن سؤال منهجية إعداد التقرير وتحصيل المعطيات والتدقيق في صحتها لأنه ورط نفسه من حيث أراد تبرير عدم تواصله مع الضحايا وعدم الاستماع للرأي الآخر، وبدا متناقضا وهو يحاول تبرير حجم التقرير الذي خصصه للمغرب دون أن يعطي أمثلة لدول عربية خصتها المنظمة بتقارير مماثلة في الحجم رغم الاعتراف بالتدهور الكبير لحقوق الإنسان فيها وقد اعترف بعظمة لسانه بالتحسن الحقوقي في المغرب مقارنة مع باقي الدول العربية، وبدا متراجعا عن يقينياته السابقة وقد فضحته الحقائق حين خفض سقف مطالب التقرير مبينا أنه لا يتبنى رواية سليمان وبوعشرين وغيرهما ولكنه يطالب فقط بحقهم في المحاكمة العادلة دون أن يوضح بدقة في التقرير وفي الحوار أين انتهك حق هؤلاء جميعا في المحاكمة العادلة، وبدا بنشمسي غير محايد وهو يبرر تأخر هيومن رايتس ووتش في تبني قضايا سليمان وبوعشرين مقابل التبني السريع لملف صديقه عمر راضي مما يؤكد أنه متحكم بمزاجه في ما تتبناه هيومن رايتس ووتش التي أصبحت أسيرة لمزاجه الصبياني المتقلب، وبدا انتهازيا وهو يبرر ولا يعارض امتلاك الدول الأوربية لبيغاسوس وينشغل فقط بمجال تشغيله. موقف بنشمسي هذا غير بريء ويبين تحكم الاعتبارات السياسية في ما تتبناه هذه المنظمات التي لا تجرؤ على المس ببعض الدول المسنودة، ولنتذكر الحملة الظالمة التي طالت المغرب بدون دليل وبدون الأخذ بعين الاعتبار تصريحات المغرب وأدلته بعدم امتلاك هذه البرمجية. حينها كانت كل الوسائل جائزة لإدانة المغرب وكل من يمتلك بيغاسوس بغض النظر عن الطريقة ومجال التشغيل قبل التراجع عن هذه المواقف. والأهم من كل ما سبق هو ما أظهره بنشمسي من جهل بمقتضيات السيادة الوطنية وعدم تمثل لقيم المواطنة حين ظن أن صفة هذه المنظمات الدولية كافية للتدخل في شؤون الدول وأباح لها الاستعانة بدول أخرى للضغط على المغرب.
    رسب بنشمسي في امتحان إقناع بيئته الحاضنة بجدية التقرير ونزاهة هيومن رايتس ووتش وكشف لكل من تابعه حقيقة الاستهداف المسبق للمغرب وفضح قيمة منتوجه الذي سوق زورا أنه حصيلة سنتين من العمل ليعطيه قيمة سرعان ما اكتشف الجميع أنها مبالغة مفضوحة.
    مرة أخرى، لا بد من التأكيد على أن لهذه المنظمات أجندات سياسية، وأنها مجرد أدوات ضغط وابتزاز تمارسه بعض القوى على الدول التي تريد إخضاعها، وبنشمسي وغيره ليسوا سوى بيادق، وسليمان وعمر راضي وغيرهما ليسوا سوى التوابل التي يحسنون بها المذاق المر لتقاريرهم التي كل همها الدفاع عن الطوابرية المتميزين أمثال فؤاد والمعيطي وزيان.
    رسوب بنشمسي وانفضاح هيومن رايتس ووتش وانكشاف من يقف وراءهم جزء فقط من حصيلة مواجهة المغرب لمن يستهدف سمعته وسيادته. فضيحة أخرى كانت بطلتها هذه المرة تاجرة الدمى التي تعيش ضائقة مالية بعد تراجع أسهمها لدى مشغليها وبوار بضاعتها وانصراف المغفلين عن متابعة “التخربيق البدائي” الذي تقترفه على قناتها. بينت دنيا هذه المرة أن كل همها من خرجاتها هو جني المال وليس التعبير عن مواقف، السيدة احترفت المعارضة المؤدى عنها، ولم تعد مداخيل الأدسنس تكفيها وتكفي زوجها المعروف بالأوجه السيئة لصرف مداخيله، ولذلك عبرت أنها ستلجأ هذه المرة إلى الشروع في بث فيديوهات مباشرة خاصة موجهة فقط للمنخرطين في قناتها فنشرت رابط الانخراط وأداء الاشتراك الذي صنفته إلى صنفين: “مشترك ذهبي” مقابل 25 درهما شهريا، و”مشترك ماسي” مقابل 80 درهما شهريا. ها نحن عشنا لنرى زمن العجائب، وعلينا الانتظار زمنا لنرى حجم الإقبال على أمثال دنيا وكم نتمنى أن تكون صريحة في نشر أعداد منخرطي قناتها ليعرف الرأي العام قيمتها وقيمة ما تبثه وحجم التفاعل معه.
    هذه صورة لمغرب الانتصارات في كل المجالات، وصورة لحصيلة المواجهات التي خاضها المغرب ضد كل من يستهدف المس بسيادته وتشويه مسيرته، وصورة لحالة الخذلان التي يعيشها الطوابرية وهم يحصدون الهزائم تباعا. والمغرب وحده شامخ وموحد وقوي ولا يلتفت إلى المثبطين ولا ينشغل عن أولوياته بأباطيل المرجفين.
    عقدة الطوابرية هي وحدة المغرب وقوته، وهم يستهدفون أعمدة هذه القوة دائما ولا يملون في ذلك. استهدافهم للملك يقويه أكثر مما يتوقعون، واستهدافهم للمؤسسة الأمنية ولحماة الجدار مآله دائما هو الفشل. وفي وسط الأسبوع تلقوا جميعا رسالة في الصميم وهم يتابعون حجم الاحتضان الشعبي لجنازة المرحوم عبد الحق الخيام.
    المأثور عن الإمام أحمد قوله “بيننا وبينكم يوم الجنائز” كدلالة ليعرف كل واحد حجم حب الناس له وتقديرهم لعمله. وجنازة المرحوم الخيام كانت ذات دلالة على الاحتضان الشعبي لرجل من رجالات مؤسسة أمنية ينظر لها المغاربة باحترام ويعترفون بالدور الهام الذي تقوم به لحفظ الأمن والاستقرار الذي ينعمون به، ويشهدون بهذا الاحتضان للقائمين عليها ويعترفون بالتغير الذي تعرفه في علاقاتها بهم وخدمتها لهم.
    هي رسالة أخرى ليفهم الطوابرية جميعا أن أولويات المغاربة مختلفة عن أولوياتهم؟ أولوية المغاربة هي الاستقرار والأمن والصحة والشغل والتعليم، وهم يناضلون من أجل كل ذلك ويحسنون ظروفهم بدون استقواء بالخارج وبدون تشويه لأوطانهم وبدون رهن أنفسهم لقوى معادية للمغرب.
    لا يمكن إنهاء هذا البوح دون التطرق لزيارة ماكرون للجزائر. هي زيارة كان ينتظر منها أن تكون بانية لو أتت في سياق مختلف وكان على جدول عملها القضايا الأساسية ذات الأولوية عند الجزائريين وكانوا هم صناع أجندتها. من يتابع الرأي العام الجزائري يلاحظ عدم اكتراث الجزائريين بالزيارة لأن توقيتها والقضايا المثارة فيها لا تعبر عن همومهم وتطلعاتهم. المستبشر الوحيد بهذه الزيارة هم حكام الجزائر الذي أخرجتهم من جو العزلة الذي يعيشونه وأعطتهم شعورا بالانتصار على المغرب وتصوروا أن الزيارة رسالة للإسبان للرد على مواقفهم الأخيرة من المغرب ومن مقترح الحكم الذاتي.
    لا يمكن فهم توقيت زيارة ماكرون للجزائر دون الإحاطة ببعض الحيثيات المرتبطة أساسا بمستجدات الداخل الفرنسي بعد الانتخابات الأخيرة التي خسر فيها ماكرون وحزبه الأغلبية المريحة ولذلك فهو يواجه تحديات داخلية كثيرة عبر عنها في أول مجلس وزاري بعد نهاية العطلة الصيفية وقبيل زيارة الجزائر حين دعا الفرنسيين إلى توديع زمن الوفرة والاستعداد للتضحية والتقشف أكثر. عين ماكرون على الصعوبات التي سيواجهها مستقبلا لتمرير ميزانية 2023 واحتجاجات العمال ونقص الطاقة وغيرها من الانشغالات الأساسية لدى الفرنسيين. ومما يفيد كذلك لفهم خلفيات هذه الزيارة استيعاب الضربات الموجعة التي تتلقاها فرنسا قاريا في مناطق نفوذها وهي التي انسحبت بشكل مذل من مالي ويتوقع أن يتراجع وجودها في دول الساحل كلها ويبحث ماكرون عما يعيد به الثقة للفرنسيين ويفند به بعض الشيء مسلمة التراجع الفرنسي دوليا. ولا ينبغي نسيان المغرب في معادلة هذه الزيارة وهو الذي أقدم على شراكات من خارج المألوف عند الفرنسيين وهو ما لم يتلقاه الشانزيليزيه بعين الرضى ويريد ساكنه الضغط على المغرب وإسبانيا بالتقارب مع الجزائر. وهناك حاجة فرنسا للغاز الجزائري وهي المقبلة على فصل شتاء استثنائي وتنظر بعين غير مطمئنة إلى ضعف حضورها في السوق الجزائرية التي أصبحت إيطاليا بوابتها الرئيسية لأوربا ولا تملك فيها الشركات الفرنسية سوى 10 في المائة مقابل حضور الشركات الصينية والروسية وغيرهما. هذه هي الدوافع والأهداف الفرنسية وهي على العموم منسجمة مع مصالح بلدها ومواطنيها ولو أنها تفكر دائما بمنطق أحادي وأناني لا يأخذ بعين الاعتبار الآخر.
    تكمن المصيبة في الدوافع الجزائرية الغائبة وعدم حضور اهتمامات الجزائريين في أجندة الزيارة. لا حضور لقضايا الذاكرة وأوجاع الماضي في الزيارة وهناك غياب للمطالبة بالاعتذار الفرنسي عن الجرائم الاستعمارية وعن التصريحات المسيئة للأمة الجزائرية السنة الماضية. لماذا هذا التغييب إذن؟ أليس هذا كافيا لينظر الجزائريون بعدم الاطمئنان والارتياح لهذه الزيارة؟ وسيسجل التاريخ أن تبون تخلى عن المطلب التاريخي للجزائريين بشأن الاعتذار عن الجرائم الفرنسية ضد الجزائريين.

    لا حضور في الزيارة لمطلب التراجع عن تخفيض عدد التأشيرات المخصصة للجزائريين، وهو مطلب ذو أولوية عند الجزائريين.
    هل ستستجيب الجزائر لمطالب فرنسا بشأن مساعدتها على خروج مشرف أو عودة رمزية إلى مالي؟ في هذه الحالة ستصبح قيادة الجزائر مجرد بيدق وتابع يعرض خدماته التي ليست هناك ضمانة على نجاحها.
    هل تنتظر قيادة الجزائر تحولا في موقف فرنسا من قضية الصحراء المغربية ودعما فرنسيا للبوليساريو؟ هو حلم أقرب إلى الاستحالة لأن فرنسا لن تصل إلى هذه الدرجة في استعداء المغرب خوفا على مصالحها الاستراتيجية التي ستتضرر وتنعكس على الداخل الفرنسي.
    يتكون وفد ماكرون من أكثر من 90 مرافقا يغطون مجالات اقتصادية وتجارية مهمة. هل ستستفيد الجزائر أكثر من مشاريع يتم الاتفاق عليها مع الجانب الفرنسي؟ وهل سيكون هذا إيذانا بالتحول الاقتصادي في الجزائر نحو اللبرلة التي طالما لمح لها تبون؟ ستكون هذه هي رصاصة الرحمة التي يوجهها تبون لجزائر ما بعد الاستقلال مؤكدا فشل كل الاختيارات السابقة.
    في كل الأحوال تحتاج المنطقة إلى إعادة ترميم علاقات كل مكوناتها بما يقويها جميعا، ومخطئ من يظن أنه يمكن إضعاف المغرب بعلاقات أقوى مع غيره لأن للمغرب عناصر قوته التي يستمدها من ذاته وتاريخه وإمكانياته وهو قادر على توظيفها عند الحاجة إليها.

    وسيكشف المستقبل ما يخبئه الحاضر، وحينها نبوح بما لا يسمح بالبوح به اليوم.

    نلتقي في بوح قادم.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    أمير المؤمنين الملك محمد السادس يأمر بإقامة صلاة الاستسقاء