بوح الأحد: الخرف يدخل زيان مرحلة الإنتحار، نهاية الوجود الفرنسي في إفريقيا

بوح الأحد: الخرف يدخل زيان مرحلة الإنتحار، نهاية الوجود الفرنسي في إفريقيا

A- A+
  • بوح الأحد: الخرف يدخل زيان مرحلة الإنتحار، نهاية الوجود الفرنسي في إفريقيا على الأبواب، قطر تنهي مهام الريسوني و خرس الإسلاميين عن تطبيع تركيا الكامل مع إسرائيل

    أبو وائل الريفي
    يتأكد يوما بعد يوم ما قلته في هذا البوح منذ زمن ليس بالقصير. زيان انتهى وزمنه صار جزءا من الماضي وخرجاته لا يراكم من خلالها إلا الأخطاء التي صارت دليلا على خرفه وبلوغه أرذل العمر. زيان اليوم أصبح مثل الجمرة الخبيثة يخشى أن يلمسه حتى أقرب المقربين منه، وليت الأمر يقتصر على هذا الوضع لأن زيان فقد مع المقود حتى الكوابح ولم يعد يفكر في ما يقول وتبعاته ويطلق العنان لكل هلوساته، والأخطر هو إصراره على تعزيز فرضياته المهزوزة والخيالية بالكذب البواح رغم أن كل من يتابعه صار متيقنا أنه كذاب ولا يستحيي من ذلك.
    أصبح زيان في آخر عمره مادة للإثارة على شاكلة بطلات روتيني اليومي يستعين بخرجاته البهلوانية معارضون من سفهاء آخر الزمان على اليوتوب من خارج المغرب الباحثين عن مداخيل الأدسنس. اكتشف كل إعلام المغرب، الذي يشتغل بمهنية، كذب زيان وحمقه ويعينه على نفسه بعدم المخاطرة بمنحه الميكروفون وحجبه عن الظهور على دعاماته المنضبطة لأخلاقيات مهنة الصحافة إلا دنيا المستسلمة لإغراءات نسب المشاهدة التي صارت تؤرقها كلما نزلت عما اعتادته لأن كل همها هو المداخيل المالية وإرضاء مشغليها وإقناعهم أنها ما تزال ورقة رهان رابحة. تتجاهل دنيا الهاربة من العدالة أن بضاعتها بائرة وكل تقديراتها خاطئة وتنبؤاتها عن المغرب تصطدم بالواقع عندما يحين وقتها فيكتشف من كان مغفلا ويظنها معارضة بأنها ليست على شيء مثل السراب. استعانت كعادتها دنيا الفيلالي بالإثارة معلنة حوارا مع زيان وابنه ووهيبة سمته حوار “فضح/كشف المستور”. وفعلا كان حوارا معبرا لأنه كشف هزالة مستوى تاجرة الدمى التي سقطت خطأ على عالم السياسة وفضح الحوار حقيقة زيان الذي صار سُلَّمًا تستعمله فتاة في عمر حفيدته تزايد عليه في المعارضة و”تتجذر” عليه ضد الملكية وتصوره منبطحا وهو مستسلم لها كأنها تمسك ضده أدلة إدانة لا يعلم طبيعتها وخطورتها إلا هما معا. بعد هذا الحوار صار زيان مُصَبَّعًا حسا ومعنى هذه المرة لأنه اكتشف، إن كان ما زال عنده ذرة من ذكاء، حالة الهوان التي أصبح عليها.
    القاعدة اليوم أن كل خرجة “إعلامية” لزيان أصبحت تساوي مراكمة الأخطاء القاتلة من حيث يظن أنه يريد توجيه رسائل لمن يهمه الأمر. لا يريد زيان الاعتراف بأنه أصبح منتوجا انتهت صلاحيته “بيريمي” وكل خزعبلاته مستقاة من خياله المريض ونفسيته الحاقدة. يصور زيان البلاد بأنها تسير بدون ربان حين يقول “الانطباع الغالب هو أن الطائرة بلا ربان” ويتناسى أنه يتهم الملك بالتقصير عن أداء مهمته تجاه شعبه، ويتناسى أن خرجته المتزامنة مع الاستعدادات لذكرى ثورة الملك والشعب وعيد ميلاد جلالة الملك تكتسي دلالة رمزية تخدم من ينتظر هذه الفرص مثل البئيسة دنيا ظنا منها أن تصريحات زيان ستنغص على المغاربة احتفالاتهم التي دأبوا عليها لتجديد التعاقد والتلاحم والتعاهد بين الملك وشعبه لما فيه خير هذا البلد كما يظن المسكين علي لمرابط أن حوارا مع منشور دعائي عسكري يمكن أن يكون له صدى وسط المغاربة. تشابهت قلوب كل الطوابرية لأنهم يُسقون من نفس المعين الرديء. يضع زيان نفسه في موقع الناصح ويوصي بوجوب خروج الملك للعلن أو انتقال العرش لنعرف ما يقع، وهو لا يعي أن منطقه الانقلابي هذا أخطر من أي تهمة أخرى، وينصب نفسه وليا على الملك ويفرض عليه جدول أعماله ويضع له خطواته ويريد أن يفرض عليه طريقة الاشتغال التي تناسبه هو!! وكعادته يغطي على نواياه الانقلابية بأنه ليس ضد الملك والملكية وينسى أنه يحارب أعمدة الملكية ودعاماتها بنشر السموم حول مؤسساتها.
    بدا زيان منكسرا ومنهزما ويائسا ومنكرا للحقائق الساطعة ووحيدا مخذولا خسر وهيبة خرشيش وتستأسد عليه دنيا بأسئلتها التي يعجز عن الإجابة الواضحة عليها بما يلجم متنطعةً تتصور أنها بمعاداتها للملكية تصنع مجدا وتتصدر ترتيب المعارضين. وللتغطية على حالة الهوان التي يعيشها، لبس زيان جبة المنظر الثوري الذي يضع خارطة طريق المستقبل ويوضح لكل واحد ما عليه فعله، ويقسم المجتمع إلى فسطاطين: مؤمنون هو معهم طبعا وغيرهم الظالمون ويعدهم بالندم مع استدعاء مشوه للآيات في غير سياقها ومكانها والمعنيين بها بما يؤكد أنه جاهل وأمي ويتعمد الترامي على النصوص الدينية لتوظيفها لما يخدم أجندته ووضعه البئيس متناسيا أن غزواته الجنسية وماضيه الفاسد غير خافيين على أحد ولا يمكن بين عشية وضحاها لمن هذا حاله أن يصبح قديسا بكثرة الاستشهاد بالآيات والظهور بمظهر الدراويش.
    زيان انتهى بما كسبته يداه من فضائح ولن ينفعه خطاب المظلومية وادعاء الاستهداف لأنه لم يستوعب أنه بشر مثل غيره ودوام الحال من المحال وذكره الآن في هذا البوح ليس لذاته لأنه جثة لا نفع من وراء الضرب فيها ولكن لأن قصته درس لغيره من الطوابرية بأن حبل الكذب قصير، والاستقواء بالمنظمات الحقوقية لم يعد مجديا، ونعيم الامتيازات والعطاء ولى إلى غير رجعة، ولا أحد فوق القانون مهما كان وضعه وصفته، والإعلام صار أكثر وعيا بحقيقتهم ويتعامل مع ملفاتهم بحرفية ولا يتلقى تصريحاتهم ونفيهم كأنها وحي منزل، ولذلك فهم يخسرون معركة القانون والإعلام والمجتمع معا بما يضعهم في عزلة وتيه عجزوا جميعا عن تجاوزها. لا حل أمام الطوابرية إلا الاعتراف بالحقيقة وعدم التمادي في حالة الإنكار والسباحة ضد التيار، وزيان أمامهم عبرة لمن كان له عقل أو ألقى السمع وهو شهيد.
    أيام قليلة على وقف إطلاق النار في غزة كانت كافية لتنسى تركيا الأردوغانية شعاراتها وتتنكر لما كانت تصوره جرائم صهيونية فتوافق على استئناف علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بشكل كامل بعد سنوات من التوتر بين الدولتين. وكالعادة، فإن أول من نشر الخبر هو مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في بيان رسمي. وإعادة العلاقات بشكل كامل تعني إعادة السفراء والقناصل العامين ناهيك عن المعاملات التجارية والاقتصادية التي لم تقطع حتى في أيام القطيعة في بعض المجالات.
    لماذا لم نسمع لدعاة مناهضة التطبيع مع إسرائيل صوتا مستنكرا؟ ولماذا لم نر إسهال الهاشتاغات الاستنكارية لهذه الخطوة يزلزل مواقع التواصل الاجتماعي؟ ولماذا لم نقرأ التحليلات المجانية عن المتاجرة بالدم الفلسطيني وطعن المقاومة وفك عزلة إسرائيل وتقويتها اقتصاديا؟ هل التطبيع مع إسرائيل حلال على البعض وحرام على البعض الآخر؟
    هذه الانتقائية في عدم استنكار ما أقدمت عليه تركيا من إعادة فتح العلاقات الكاملة مع إسرائيل مقابل استنكارها على دول أخرى لم تبلغ في تطبيعها معشار ما عليه العلاقات الإسرائيلية التركية تفضح مناهضي التطبيع من “الأردوغانيين” وتبين أن الدافع وراء حملاتهم ليس مصلحة الفلسطينيين ولكنه خدمة لأردوغان وقطر اللتان تريدان احتكار بوابة الوساطة مع الإسرائيليين دون غيرهما. ولذلك فحملاتهم لا تلقى صدى وسط المغاربة والشعوب العربية التي أصبحت واعية بحقيقة أردوغان الحربائية لأنه كل يوم في شأن مناقض لما كان عليه أمس، وهوس الانتخابات الرئاسية القادمة أفقده البصيرة وصار يعي أن الشعبوية وحدها لن تبقيه في كرسي الرئاسة في المائوية التي يحلم أن يكون مجدد الدولة التركية فيها بعد أتاتورك المؤسس.
    نتمنى أن تكون خطوة استئناف العلاقات مع إسرائيل موقظ آخر لمن لا تزال على أعينهم غشاوة أردوغان ليفهموا أن آخر ما يحرص عليه الأتراك هو فلسطين ومصلحة الفلسطينيين وأن كل همهم هو مصلحة بلادهم ولو على حساب غيرهم.
    قد تكون تركيا اختارت الخيار الأسلم والأصلح لفلسطين وتركيا وللمنطقة باستئناف علاقاتها مع إسرائيل التي لم تنقطع يوما ولكنها كأي علاقة بين دول تمر بلحظات مد وجزر. سياسة الكيل بمكيالين هي المصيبة والمزايدة على غيرها من الدول بالشعبوية الزائفة هي الطامة. وقد تكون تركيا استوعبت أن البساط يسحب منها تدريجيا بعد الوساطة العربية الناجحة في حرب الأيام الأخيرة وتريد أن تتموقع من جديد على ضوء مستجدات الساحة العربية وهي ترى خسارتها للرهان على المحور الإيراني الروسي وتستنتج أن شعبويتها تجاه إسرائيل لم تعد ذات مكاسب بعدما دخلت المنطقة في مرحلة الجد التي لا تنفع معها دغدغة العواطف واستثارة المشاعر، ولكن الخاسر الأكبر هو الجمهور الأردوغاني الذي يكتشف أنه كان مغفلا حين شرب المقلب واستسلم لخطاب غوغائي دون فحص مضامينه ودون عرضه على الواقع الذي يكذبه حيث ظلت تركيا دائما، وحتى في سنوات القطيعة الرسمية، أكبر متعامل مع إسرائيل اقتصاديا في المنطقة. وعلى هؤلاء “المغفلين” أن يتساءلوا عن سبب صدور البيان من الجانب الإسرائيلي أولا وليس الجانب التركي كالعادة الذي يريد التستر على مثل هذه الخطوات، كما عليهم الاطلاع على البيان الذي تحدث عن علاقات كاملة وتطبيع شامل بما فيه الجوانب الثقافية، وقد نص البيان على أن “تطوير العلاقات سيسهم في تعميق العلاقات بين الشعبين وتوسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية وتعزيز الاستقرار الإقليمي”. وعلى هؤلاء “المغفلين” التساؤل قبل ذلك عن توقيت هذه الخطوة وحجمها ومدى خدمتها في هذه الظرفية لقطاع غزة. لماذا كل هذا الاستعجال؟ ماذا ستخسر تركيا لو أجلت هذه الخطوة بضعة شهور؟ ألا يشتم منها رغبة في لعب دور مستقبلي مكان الدول العربية راعية اتفاق التهدئة ووقف إطلاق النار؟ ألا تعتبر تركيا بهذه الخطوة خاطئة وتضيق الخناق على هذه الدول؟ ألا تضر بهذه الخطوة الفلسطينيين؟
    الإجابة عن هذه الأسئلة بموضوعية وبدون أحكام جاهزة قد يخدم فلسطين أكثر مما يخدمها الكلام الفارغ والتجارب السابقة الفاشلة، وقد تفتح هذه الإجابات الباب أمام خيارات مختلفة وجديدة لخدمة القضية الفلسطينية ووضع حد لهذا الصراع الذي أصبح ورقة رابحة للكثيرين يستقوون ويزايدون بها فقط لخدمة مصالحهم وتأمين أوطانهم وتحقيق أهدافهم التي لا استفادة للفلسطينيين منها.
    والسؤال الأهم هو علاقة اختيار توقيت إعادة العلاقات الكاملة مع إسرائيل بالداخل التركي، حيث يعيش حزب العدالة والتنمية أجواء ذكرى تأسيسه التي تتزامن مع 14 غشت من كل سنة. لقد مر على الحزب 21 سنة قضى منها 20 سنة في الحكم أوصلته إلى نهاية مرحلة الشعبوية ويريد الآن تقديم برهان الوفاء للقوى الكبرى بهذه الخطوة بحثا عن نيل ثقة لمستقبل يرى شبه استحالة في الاستمرار في دفة الحكم وقد خسر في الانتخابات السابقة مناطق نفوذه التاريخية مثل اسطنبول.
    خسر أردوغان الرهان على إخوان مصر فاضطر إلى المصالحة مع نظام وصفه سابقا بأقدح النعوت، وخسر الرهان في سوريا فهو مضطر اليوم إلى التقارب مع إيران والاستعانة بعمليات عسكرية داخل الأراضي السورية والعراقية في انتهاك صارخ لسيادة دول، وخسر رهان مخاصمة النظم العربية وقد اضطر صاغرا إلى مصالحتها والاعتراف بقوتها وحاجته إليها لما اقترب من الغرق فأنقذته منه، وخسر رهان معاداة إسرائيل وها هو يضطر إلى إعادة العلاقات معها في توقيت يفضح انتهازيته، وخسر رهان معاداة الروس فهو يتسول اليوم وُدَّهم بحثا عن مداخيل عبور سفن الحبوب من موانئه والظهور بمظهر اللاعب الرئيسي في ما يحدث في العالم. اليوم، يقف أردوغان عند نهاية مرحلة الشعبوية والمزايدة والكرة في مرمى الأردوغانيين للاستفاقة من الغيبوبة الكبرى.
    ونحن نتحدث عن مرحلة الجد التي تدخلها المنطقة لا يمكن غض الطرف عن سياسة المجهول التي صارت تُسَيَّر بها فرنسا منذ مدة ليست بالقصيرة. يترحم الفرنسيون على زمن القادة الكبار الذين صنعوا لهذا البلد مجدا، وبوؤوها مكانة في عالم الكبار، وكانوا يعرفون كلفة الحفاظ على هذه المكانة ومكاسب تثمين العلاقة مع الشركاء والوفاء بالالتزامات وعدم الطعن من الظهر والالتجاء للأساليب الملتوية. فرنسا اليوم تتلقى الضربة تلو الأخرى لأنها دبلوماسيتها صارت مزاجية وسياستها صارت ابتزازية وقراراتها تصنع العداوات أكثر من تثبيت الصداقات. أقول هذا الكلام، وقد توسعتُ في خلفياته وتداعياته في أكثر من بوح سابق، بمناسبة مغادرة آخر الجنود الفرنسيين قبل أيام لمالي بعد تسعة أعوام من العمليات العسكرية في إطار عملية برخان. الشعور بالهزيمة والفشل والإذلال هو الذي يسيطر على الفرنسيين وخاصة بعد طلب حكومة باماكو اجتماعا عاجلا لمجلس الأمن واتهام فرنسا بأعمال عدوانية ودعم تنظيمات متطرفة في مالي خلال وجودها هناك. هل يمكن أن يصل الحد بفرنسا إلى هذا المستنقع بعد عقد من السنوات ظن فيها الفرنسيون أن قواتهم تحارب الإرهاب؟ ويزيد ترسيخ شعور الفرنسيين بالفشل أن فرنسا تفقد بشكل ملفت تأثيرها في مناطق النفوذ التاريخية، فبعد افريقيا الوسطى ومالي تواجه فرنسا مظاهرات في بوركينا فاسو واحتجاجات للمطالبة برحيل الفرنسيين في النيجر وغينيا تحذو حذو الدول السابقة مما يؤكد أن فرنسا خسرت كل الساحل الإفريقي الذي يرتقب أن يصبح ساحة مواجهة غربية روسية في المستقبل القريب بسبب الحضور المتزايد لقوات فاغنر الروسية هناك ولأن فرنسا لم تحافظ على الحضور الغربي هناك بشكل مشرف ولم تساهم سياساتها إلا في تنامي الكراهية للوجود الأجنبي الغربي فيها. والفشل العسكري والسياسي انعكس على الوجود الاقتصادي حيث خسرت الشركات الفرنسية نصف حصتها في السوق الإفريقية خلال العقدين الأخيرين لصالح الشركات الصينية أو الألمانية أو الهندية.
    الخطأ القاتل الذي ترتكبه فرنسا هو أنها لم تتخلص من رؤيتها الاستعمارية الاستعلائية، وتريد الاستفراد وحدها بالدول الفرنكفونية وتمنعها من تنويع علاقاتها مع غيرها، ولا تتصور نفسها في علاقات شراكة متكافئة معها بل تحرص دائما على منطق التبعية الكاملة لها. مشكلة فرنسا أنها ما تزال تظن أن عقوباتها ضد بعض الدول كفيلة بإسقاط نظمها أو إضعافها وتتناسى أنها لم تعد بتلك القوة وأن إجراءات مضادة مماثلة من هذه الدول كفيلة بإضعاف المكانة الدولية لفرنسا بما يعني ذلك من انعكاس على الداخل الفرنسي، ولعل هذا هو النقاش الدائر اليوم في المجتمع الفرنسي حيث يعترف الكل بالتراجع الثقافي واللغوي والسياسي والدبلوماسي والاقتصادي الفرنسي في المستعمرات الفرنسية السابقة.
    يحسب للمغرب مرة أخرى أنه كان من الدول التي اعترضت على الابتزاز الفرنسي لها وواجهت التدخل في سيادتها وتحملت عبء الضغط الفرنسي الذي يريد منعها من تنويع شراكاتها المتوازنة مع كل من تتقاسم معه مصالح مشتركة. ويحسب للمغرب أنه كشف للكثير من الدول محدودية الأثر لكل بروباغندا الدولة العميقة في فرنسا بأدواتها الإعلامية والحقوقية وإجراءاتها التي تتصورها مؤثرة. ولا مستقبل لفرنسا في ظل التحولات العالمية المتسارعة إلا إصلاح أعطابها والتخلي عن منطقها الهيمني وسياستها الابتزازية والتعامل مع هذه الدول، مستعمراتها السابقة، بمنطق الشراكة الندية والمتكافئة، وإلا فإنها الخاسر الأول والأخير. ومرة أخرى، يلزم التأكيد على أن المنتظم الدولي يحتاج إلى أكثر من قطب وأكثر من دولة قوية، والدور الفرنسي تاريخيا مهم وعامل توازن بما راكمه القادة الكبار لفرنسا من عقيدة دبلوماسية أبانت عن فعاليتها في محطات مفصلية في عالم ما بعد نهاية الحرب الباردة.
    أختم هذا البوح بما ترتب عن تصريحات الريسوني حول الصحراء المغربية وموريتانيا والجزائر. لن أدخل في تقييم حدود الصواب والخطأ في ما قيل من طرف الريسوني لأنه بدون صفة رسمية والأولى أن يعبر حزبه عن موقف رسمي مما قاله إن كان ما يزال يعترف بانتمائه إليه، ولأن مواقف هذا البلد تصدر عن ملكها ومؤسساتها الرسمية وقد عبر الملك في آخر خطاب للعرش عن الموقف الواضح من دول الجوار وبين طريقة التعامل معها، وأي تجاوز في ذلك يتحمل مسؤوليته صاحبه، كما أن من يريد ترتيب أثر رسمي على تصريحات غير رسمية يفضح تبعيته للعسكر وانتعاشه في أجواء الفتنة.
    توقيت حوار الريسوني والغموض والبياضات التي تركها مضمونه والطريقة الملتبسة للتعبير عن الموقف من الكثير من القضايا تؤكد أن الريسوني انشغل كثيرا بالأحداث خارج المغرب ولم يعد مواكبا للشأن المغربي وكان يلزمه تحيين الكثير من أفكاره وصقلها وانتقاء عباراته لأن الحديث في منطقة الألغام يلزم صاحبه الدقة والتركيز، واصطياد بعض ذوي النفوس المريضة في المياه العكرة يمكن أن يؤدي إلى نشوب معارك خاسرة لكل من يخوض فيها.
    على الريسوني الذي شعر بأن قطر تريد إنهاء مهامه بدون رضاه في اتحاد العلماء الذي أنشأته قطر كرابطة للإخوان المسلمين أن يستوعب بأنه كانت أمامه طرق أخرى للتعبير عن احتجاجه أو ضمان الخروج المشرف من مهمته التي كان يعي منذ البدء أنه كان رئيسا اضطراريا في ظل مرض القرضاوي ورئيسا فخريا لمؤسسة إخوانية مملوكة لقطر وهامش الرأي عنده ضئيل وقانون الاتحاد يضع الأمين العام علي القره داغي رجل ثقة قطر والوفي للقرضاوي في وضع أفضل منه حيث لا يعتبر الموقف رسميا للاتحاد إلا بتوقيعه هو إلى جانب الرئيس. وعلى الريسوني الاستفادة من فترة راحة وتأمل يعيد فيها حساباته السابقة ورهانه على هذا الاتحاد وقد اكتشف بعد هذه الحملة ضده أنه كان وحيدا تخلى عنه الاتحاد وأمينه، وتخلت عنه قطر، واصطف الجميع مع إخوان الجزائر (حمس والبناء) وإخوان موريتانيا، ولم ينفعه دفاع بعض أعضاء رابطة المستقبل الذين ما زالوا يدينون له بالولاء.
    ما حدث للريسوني رسالة لكل من ما يزال يستقوي بالتنظيم الدولي للإخوان على وطنه، أو يرى فيه الانتماء الأكبر من الوطن، أو يتعامل معه كمرجعية. تنظيم الإخوان الدولي انتهازي يناصر من يدفع أكثر ومن يخدم مصالحه أكثر، ولذلك لا حل أمام كل “المتأخونين” إلا الرجوع إلى جادة الصواب والاصطفاف في خندق الوطن.
    وطننا هو الذي يسعنا، وهو الذي يستحق أن نصطف معه في السراء والضراء، وذكرى ثورة الملك والشعب مناسبة توضح أن من اصطف مع وطنه واختار الانحياز إلى شعبه يتجاوز كل المحن ويخلده التاريخ ويبقى عبرة للأجيال اللاحقة وينتصر على أعتى قوة في العالم.
    نلتقي في بوح قادم.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    أمير المؤمنين الملك محمد السادس يأمر بإقامة صلاة الاستسقاء